من هو اللنبي - ويكيبيديا؟ قصة المشير البريطاني الذي غير وجه الشرق الأوسط،

إدموند هنري هاينمان ألنبي هو أحد أبرز القادة العسكريين والإداريين في التاريخ البريطاني الحديث، وخصوصًا خلال فترة الحرب العالمية الأولى وما بعدها في الشرق الأوسط، وُلد ألنبي في 23 أبريل عام 1861 في مدينة جالتري بمقاطعة نورثامبتونشاير في إنجلترا. التحق بأكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية وتدرّج في المناصب العسكرية حتى بلغ رتبة مشير (فيلد مارشال)، وهي أعلى رتبة في الجيش البريطاني. امتازت شخصيته بالحزم والقوة والصرامة، وكان يُعرف بين جنوده بلقب "الثور" نظرًا لبنيته الضخمة وغضبه السريع.
دور اللنبي في الحرب العالمية الأولى
برز نجم ألنبي بشكل خاص خلال الحرب العالمية الأولى، حين تولّى قيادة "قوة التجريدة المصرية البريطانية" عام 1917، وهي القوة التي كانت مسؤولة عن العمليات البريطانية في مصر وفلسطين ضد الدولة العثمانية وحلفائها. في ذلك الوقت، كانت جبهة الشرق الأوسط في حالة جمود نسبي، بعد إخفاقات سابقة في معارك مثل غزة. لكن مع وصول ألنبي، تغيرت استراتيجية القيادة البريطانية جذريًا. فقد أدرك ألنبي أهمية الحرب النفسية والتعبئة الشاملة، كما قام بإعادة تنظيم خطوط الإمداد والخطط العسكرية.
من أبرز إنجازاته في هذه الفترة الاستيلاء على مدينة القدس في ديسمبر 1917، بعد أن خضعت لسيطرة الدولة العثمانية لنحو أربعة قرون. وقد دخل ألنبي المدينة سيرًا على الأقدام من باب يافا، احترامًا لقدسيتها الدينية، وهو ما حظي بتقدير دولي واسع. ورغم الجدل حول مقولته الشهيرة "اليوم انتهت الحروب الصليبية"، إلا أن المؤرخين اختلفوا حول ما إذا كان قالها فعلاً، أم أنها نُسبت إليه لاحقًا في سياق الخطاب الاستعماري لتبرير الوجود البريطاني في المنطقة.
استمرت نجاحاته في حملة فلسطين، حيث تمكن من السيطرة على غزة، ثم تقدّم شمالاً نحو بلاد الشام، ليقود واحدة من أنجح الحملات العسكرية في الحرب: معركة مجدو (سبتمبر 1918). وقد كانت هذه المعركة حاسمة وسريعة، وأسفرت عن انهيار الجيش العثماني في الشام، وسقوط مدن دمشق وحلب لاحقًا في أيدي الحلفاء. تُعتبر مجدو من المعارك التي سبقت في تكتيكاتها ما يُعرف لاحقًا باسم "الحرب الخاطفة" (Blitzkrieg)، التي استخدمتها ألمانيا في الحرب العالمية الثانية. لم تكن تلك الانتصارات مجرّد نجاحات عسكرية فحسب، بل كانت مقدمة لتغيير سياسي شامل في الشرق الأوسط، تمثل في نهاية الحكم العثماني وتمهيد الطريق لسيطرة الاستعمار البريطاني والفرنسي في المنطقة.
تعيين اللنبي مندوب سامي في مصر
بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، عيّنت الحكومة البريطانية ألنبي في منصب المندوب السامي في مصر والسودان عام 1919، في وقت كانت فيه البلاد تغلي بالغضب الشعبي والمطالب بالاستقلال، خاصة بعد نفي الزعيم الوطني سعد زغلول ورفاقه إلى جزيرة مالطا، لم تكن مهمة ألنبي في مصر أقل صعوبة من جبهات الحرب، بل واجه واحدة من أعظم الثورات الشعبية في التاريخ المصري الحديث: ثورة 1919، التي شملت مختلف طبقات وفئات الشعب المصري، من عمال وفلاحين وطلاب ونخب متعلمة، في مواجهة الاحتلال البريطاني.
على الرغم من لجوئه أحيانا إلى القمـ ع، فقد أدرك ألنبي أن الحل الأمني وحده لن يُسكت الحركة الوطنية المتصاعدة، لذلك سعى إلى التفاوض مع الزعماء المصريين والضغط على حكومته في لندن لتغيير سياساتها. وبالفعل، ساهم بشكل أساسي في التمهيد لإصدار تصريح 28 فبراير 1922، الذي أعلنت فيه بريطانيا إنهاء الحماية البريطانية على مصر ومنحها استقلالًا "اسميا"، مع احتفاظ لندن بحقوق واسعة تتعلق بالدفاع والشؤون الخارجية وقناة السويس. ورغم أن الاستقلال كان منقوصا، إلا أنه مثّل خطوة فارقة في مسار نضال مصر نحو التحرر الكامل، وأكسب ألنبي مكانة خاصة في التاريخ السياسي المصري، وإن ظلّ يُنظر إليه كرمز للاحتلال البريطاني.
وفاة اللنبي
توفي اللورد ألنبي في 14 مايو عام 1936 إثر إصابته بنزيف دماغي مفاجئ، ودفن رماد جثمانه في كنيسة وستمنستر في لندن، وهي من أعلى مراتب التكريم التي تمنح للشخصيات البريطانية البارزة، ترك وراءه إرث متشابك من الانتصارات العسكرية والتدخلات السياسية التي غيّرت خريطة الشرق الأوسط، وأسهمت في رسم ملامح الصراع الذي استمر طويلًا في المنطقة.
قد يهمك أيضاً:
عدنان مندريس ويكيبيديا | مسيرة اول رئيس وزراء منتخب ديمقراطيا في تركيا